المحقق البحراني
277
الكشكول
وما هذا إلا عبد صالح لألحقنه ولأسألنه أن يحللني فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب عني ، فلما نزلت الواقصة فإذا هو به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه واستحله ، فصبرت حتى جلس وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلا قال : يا شقيق أتل وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ثم تركني ومضى فقلت : إن هذا الفتى لمن الأبدال قد تكلم على سري مرتين ، فلما نزلت زبالة إذا بالفتى قائم بالبئر وبيده ركوة يريد أن يستسقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه فرأيته قد رمق إلى السماء وسمعته يقول شعرا : أنت ربي إذا ظميت من الماء * وقوتي إذا أردت الطعاما اللهم سيدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها ، قال شقيق : فو اللّه لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤه فمد يده وأخذ الركوة وملأها ماء فتوضأ وصلى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك ، فقال : يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر فو اللّه ما شربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا ، فشبعت ورويت وبقيت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائما يصلي بخشوع وأنين فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح ثم قام فصلى الغداة وطاف بالبيت أسبوعا فخرج فتبعته فإذا له حاشية وموالي وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ودار به الناس من حوله يسلمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه : من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام فقلت : قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد . وقد نظمه بعض الشعراء . من السير : ما كتبه العلامة المحقق الطوسي إلى صاحب حلب بعد فتح بغداد : أما بعد فقد نزلنا بغداد سنة خمس وستمائة فساء صباح المنذرين فدعونا ملكها إلى طاعتنا فأبى فحق عليه القول فأخذناه أخذا وبيلا وقد دعوناك إلى طاعتنا فإن أتيت فروح وريحان وجنة نعيم وان أبيت فلا سلطان منك عليك فلا تكن كالباحث بحتفه عن ظلفه والجادع مارن أنفه بكفه والسلام .